ژان باتيست تاورنيه

48

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

وشهرزور بلدة تختلف في بنائها عن أي بلد في تلك الأنحاء ، فجميعها منحوت في الصخر بما يبلغ امتداده ربع فرسخ ، ولهذا عليك أن ترتقي بيوتها بمرقاة تتألف من خمس عشرة إلى عشرين درجة ، وأحيانا أقل ، بنسبة ارتفاع المكان الذي تقصده . وليس لمداخل بيوتها أبواب ، بل لها أحجار مستديرة تشبه حجر الرحى ، يدحرجونها حين الدخول أو الخروج . وحافات الحائط نقرت بوجه يستوعب هذا الحجر . كما هي الحال في العلبة وغطائها ، إذ يصبح الحجر باستواء واجهة الجبل عند وضعه على الباب . وتبدو أعالي بيوتهم كالروازين في الجبال ، وقد اتخذ الأهلون مغاور لحفظ ماشيتهم فيها ، ومن ذلك نحكم أنها نقرت لتحمي السكان من عرب ما بين النهرين وبدوهم . انتهينا إلى شهرزور في ليلة عيد الفصح ، ومكثنا هناك ثلاثة أيام طلبا للراحة بعد صوم تمسكنا به . وقد رأيت هنا ينابيع يخرج منها الماء بفقاقيع كبيرة . وبعد أن مزجت هذا الماء بكأسين من الخمر وشربته وجدت له خاصية الإسهال ، كما أنه ذو مذاق معدني . إن ماء هذه العيون يغلي قرب ضفة نهر يسمى ألتون صو أو نهر الذهب الذي يصب في دجلة ، وبعد مسيرة ثلاثة أيام من مصبه يصل المرء إلى بغداد . وفي اليوم التالي ، نزلنا بلدة حقيرة على الحدود بين تركيا وإيران « 1 » . وفي اليوم الذي يليه ، وهو اليوم الخامس بعد مغادرتنا نينوى مررنا بعدة مناقع ومياه حارة تفصل بين الامبراطوريتين . وهكذا دخلنا في بلاد فارس ، وصادفنا جبلا شامخا تغطيه أشجار البلوط التي تحمل العفص . ولعلو هذا الجبل الشاهق ، استغرقت القافلة بضع ساعات لبلوغ قمته . ولدى صعودنا هذا الجبل ، وخاصة عندما أدركنا قمته ، سمعنا طلقات بندقية تدوي في الفضاء ، فظننا بادئ الأمر أن أناسا يصطادون الخنزير البري أو الغزال مما تكتظ به

--> ( 1 ) يقصد الحدود بين إيران والعراق . لأن العراق كان حينذاك في ضمن الإمبراطورية ، ويسميها الإفرنج أحيانا تركيا .